fbpx

رغم المطالبات العالمية.. ما الذي يمنع “الجنائية الدولية” من محاكمة إسرائيل؟

تزداد الدعوات العالمية لمحاكمة إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، في المحكمة الجنائية الدولية، بتهم ارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في غزة. لكنَّ هذه الدعوات تصطدم في كل مرة بموقف واشنطن والدول الأوروبية الداعم لتل أبيب.

0

طالبت شخصيات ومنظمات دولية بمحاكمة إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، في المحكمة الجنائية الدولية، بتهم ارتكاب جرائم إبادة وجرائم حرب ضد سكان قطاع غزة.

وأعلنت المحكمة الجنائية الدولية، في 17 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، تقدم خمس دول أعضاء فيها بطلب “التحقيق في الهجمات الإسرائيلية على غزة”.

وهذه ليست المرة الأولى التي تتلقى فيها المحكمة طلبات للتحقيق في جرائم ارتكبتها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد انضمام دولة فلسطين إلى محكمة الجنايات الدولية في 2015، ما يعني أن الجرائم التي تُرتكب في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، أصبحت ضمن دائرة اختصاص المحكمة.

لكن المفارقة أنه رغم كل المعلومات والملفات والدعاوى لدى المحكمة الجنائية الدولية ضد جرائم إسرائيل التي ارتكبتها خلال حروبها الأخيرة على قطاع غزة، فإن المحكمة لم تُدِنْ إسرائيل، بل لم تصدر أي مذكرة اعتقال بحق أي مسؤول إسرائيلي بمن فيهم نتنياهو.

فيما لم يتطلب إصدار “الجنائية الدولية” مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يقود ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم، سوى أسبوعين، بعد أن تقدمت 39 دولة عضواً في المحكمة بطلب التحقيق في الجرائم المرتكَبة داخل أوكرانيا.

دفعت هذه الازدواجية الكثير من المراقبين إلى التساؤل عن السبب الذي يتيح لإسرائيل الإفلات في كل مرة من العقاب، ولا تصدر بحق قادتها مذكرات توقيفات دولية لمحاكمتهم بتهم الإبادة وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، التي تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم، وموثقة بالصوت والصورة والشهود، بل باعتراف الجناة أحياناً، وافتخارهم بجرائمهم أحياناً أخرى.

والسؤال الأهم: هل سيتمكن المجتمع الدولي من تحدي الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، والضغط على المحكمة الجنائية الدولية لإحالة نتنياهو وقادة جيشه إلى المحاكمة الدولية بأسرع ما يمكن، لوقف مجازرهم في غزة بعد أن تجاوز عدد الشهداء 14 ألفاً، ثلاثة أرباعهم من الأطفال والنساء؟

وهل تمتلك المحكمة الجنائية الدولية في مدينة لاهاي الهولندية، استقلالية عن ضغوط الدول الغربية المهيمنة عليها، خصوصاً من ناحية التمويل، تمكّنها من إصدار مذكرات توقيف بحق المسؤولين الإسرائيليين المعنيين بجرائم الحر ب في غزة؟

النفوذ الغربي يحمي إسرائيل

كان انضمام دولة فلسطين إلى عضوية المحكمة الجنائية الدولية “رسمياً” في 2015، بمثابة أول خطوة رسمية نحو محاكمة إسرائيل عن جرائمها في حق الشعب الفلسطيني، رغم أنه قبل 2015، قُدمت مئات الدعاوى القضائية لدى المحكمة الجنائية الدولية ضد إسرائيل لارتكابها عدة جرائم في حق الشعب الفلسطيني وأفراد وهيئات داعمة له، إلا أنها رُفضت جميعها.

وكان أحد الأسباب الرئيسية للرفض آنذاك، عدم الاختصاص، أو أن عدد الضحايا لا يرقى إلى مستوى جرائم الإبادة، مثل حالة قضية أسطول الحرية والهجوم الإسرائيلي على سفينة “مافي مرمرة” واستشهاد 10 مواطنين أتراك.

فطبقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مَن يحق له فتح تحقيق في الجرائم الأربع (الإبادة-جرائم حرب-جرائم ضد الإنسانية-العدوان) التي من اختصاص المحكمة، هي الدول الأعضاء في المحكمة، ومجلس الأمن الدولي، والمدعي العام للجنائية الدولية (البريطاني كريم خان حالياً).

وبانضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، أصبحت كل من الضفة الغربية وقطاع غزة ومدينة القدس الشرقية من اختصاص المحكمة.

لكن شروع المحكمة الجنائية الدولية في التحقيق في التهم الموجهة إلى إسرائيل وقادتها السياسيين والعسكريين لم يُفتح بشكل رسمي إلا في 2021، أي إنها استغرقت ست سنوات في جمع المعلومات وتحليلها قبل فتح التحقيق.

فيما كانت فترة أسبوعين كافية للجنائية الدولية، لإصدار مذكرة توقيف في حق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأهم ما يعرقل فتح تحقيق في الجرائم المرتكَبة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، عدم انضمام إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية، وعدم اعترافها بسلطتها، وعدم اعترافها بالدولة الفلسطينية، ورفضها التعاون مع محققيها الجنائيين أو منحهم تأشيرات الدخول والسماح لهم بحرية التنقل والوصول إلى أماكن الجرائم المفترضة، والحديث مع الضحايا والشهود.

كانت إسرائيل والولايات المتحدة من بين سبع دول فقط صوَّتت في الجمعية العامة ضد تأسيس المحكمة الجنائية الدولية في 1998، ورغم توقيعهما على قانون المحكمة دون المصادقة عليه، فإنهما سحبتاه في 2002.

ولم تكتفِ تل أبيب بعدم التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، بل شهرت في وجهها ورقة “معاداة السامية” كعادتها في التعامل مع أي انتقاد لممارساتها.

وحرضت إسرائيل عدة دول أعضاء على وقف التمويل أو تقليصه عن “الجنائية الدولية”، وعلى رأسها ألمانيا واليابان، وليس من المؤكد مدى استجابة هذه الدول للضغوط الإسرائيلية، لكن المحكمة لم تُصدر طيلة السنوات الثلاث الأخيرة أي مذكرة توقيف بحق أيٍّ من قادة إسرائيل المتهمين بارتكاب أيٍّ من الجرائم ذات الاختصاص.

وبررت المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة، البطء في إصدار مذكرات اتهام، في تقرير لها، بأن “النظام القضائي الإسرائيلي ينص بالفعل على معاقبة المتهمين بارتكاب جرائم حرب، وهذا يعني أن المحكمة الجنائية الدولية قد لا يكون لها اختصاص بالانتهاكات الإسرائيلية المزعومة”.

غير أن المحاكم الإسرائيلية لم تتحرك في هذا الشأن. كما أن دولاً مثل السودان ليست عضواً في المحكمة ومع ذلك جرى إصدار مذكرة توقيف في حق رئيسها السابق عمر البشير.

فالثغرات القانونية والضغوط السياسية والمالية والإجرائية وقفت سداً أمام توجيه أي مذكرة توقيف ضد قادة إسرائيل المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة وجرائم عدوان.

إصرار غير مسبوق على محاكمة إسرائيل

استشهاد أكثر من 14 ألف فلسطيني في قطاع غزة خلال نحو شهر ونصف، بينهم آلاف الأطفال، وسعي إسرائيل بشكل علني لتهجير 2.3 مليون فلسطيني من قطاع غزة إلى صحراء سيناء المصرية، وتلويح أحد وزرائها بنكبة فلسطينية جديدة في 2023، وتهديد آخَر بإلقاء قنبلة نووية على غزة.. كل ذلك دفع المجتمع الدولي إلى التحرك على أكثر من جبهة لمحاكمة قادة إسرائيل.

إحدى هذه الجبهات تقديم كل من جنوب إفريقيا وبوليفيا وبنغلاديش وجزر القمر وجيبوتي، وهي دول أعضاء في محكمة الجنايات الدولية، طلباً للتحقيق في الهجمات الإسرائيلية على غزة، وفق بيان للمحكمة في 17 نوفمبر/تشرين الثاني.

وليس من المستبعد أن تنضم دول أخرى أعضاء في الجنائية الدولية إلى الدول الخمس، على غرار كولومبيا، التي أعلن رئيسها غوستافو بيترو، دعم بلاده دعوة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، لرفع دعاوى قضائية ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية.

معظم دول أمريكا اللاتينية ونصف الدول الإفريقية، بالإضافة إلى معظم الدول الأوروبية أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن أغلب الدول العربية والإسلامية والآسيوية لم تصادق على قانون المحكمة، خصوصاً في ظل الانتقائية التي تتعامل بها المحكمة مع مختلف القضايا.

وهذا ما أشار إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عندما قال: “القضاء الدولي كان سيتدخل فوراً لو أن دولة مسلمة ارتكبت جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل”.

ولكن الأمر لم يتوقف عند الصعيد الرسمي على أهميته، بل تَشكل جيش من مئات المحامين والهيئات الحقوقية من مختلف أنحاء العالم بقيادة المحامي الفرنسي الشهير جيل دوفير، وأعدادهم في ازدياد، وقدموا دعوى قضائية للمدعي العام للجنائية الدولية، في 9 نوفمبر/تشرين الثاني، تطالب بـ”فتح تحقيق في الوقائع المنسوبة إلى جيش الاحتلال في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي”.

كما أعلنت النقابة الثانية للمحامين الأتراك، اعتزامها تقديم شكوى قضائية لدى المحكمة الجنائية الدولية بشأن “الجرائم الإسرائيلية في فلسطين”.

ومن شأن هذه الضغوط الدولية والشعبية التسريع بمحاكمة قادة إسرائيل وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لكنّ ذلك ما زال يصطدم بموقف متشدد من الولايات المتحدة، خصوصاً حلفاءها الأوروبيين الأعضاء في المحكمة لا سيما ألمانيا، رغم موقف أيرلندا وبلجيكا الداعم لفكرة محاسبة تل أبيب.

قد يعجبك ايضا
اترك رد