fbpx

عبد الوهاب عيساوي: بعض الروايات هي من تكتبنا وليس نحن من يكتبها

يرى أن الإنسان هو المعيار الأساسي لأي نص روائي

0

حوار: آية ياسر

“عبد الوهاب عيساوي” هو أديب جزائري ينتمي لجيل الشباب تخطت موهبته الأدبية حدود المغرب العربي فذاع سيطه ولمع اسمه الأدبي من المحيط إلى الخليج ؛ وهو من الكتاب الشباب في الجزائر وهو أول جزائري يفوز بجائزة البوكر العالمية للرواية العربية عام 2020.

حصد عددًا من أهم الجوائز الثقافية بالوطن العربي أهمها:” جائزة سعاد الصباح 2017، جائزة كتارا 2017، جائزة آسيا جبار 2015 ، جائزة رئيس الجمهورية علي معاشي سنة 2012″.. وحول ذلك كان لنا معه هذا الحوار:

عوالم جديدة
ما الذي تدور حوله روايتك “الدوائر والأبواب”؟
كانت هناك فكرة أثيرة في نفسي للشاعر الأمريكي رالف إيمرسون استعارها ريلكه في ديوانه “كتاب الساعات”، تكلّم عن الدوائر التي تشكِّل حياة الناس، ولا تلبث أن تتسع ثم تتواصل مع بعضها البعض، وربما تتسع الواحدة على حساب الأخرى. هكذا كان البطل أحمد في رواية “الدوائر والأبواب” يعتقد في شبابه وهو ابن الصحراء وابن القبيلة الأمازيغية المعروفة بمحافظتها، يقرِّر الشاب أن ينفلت من الدائرة التي تحيط قريته فيفر إلى دائرة أشمل، وينضم إلى قبيلة بني عيداس (غجر الصحراء) حاملاً معه لعنة والده-شيخ القرية وإمامها تطارده من مكان إلى آخر.
تبوء رحلة الشاب بالفشل وحين يعود مهزومًا إلى القرية يواجهه الأب بالنفي نحو مدينة الجلفة، وبها يبدأ سيرة أخرى في بيت جده الرجل الصالح، تحثه الأحلام بعد سنين عديدة من الوحدة على ترميم الدار، ودون وعي منه يلج عوالم جديدة ودائرة مختلفة يكتنفها البحث عن نفسه من خلال الدار، طارحًا سؤال الرواية :هل يجدر بنا أن نرمم البيوت أم أننا نحن من نرمم أنفسنا من خلال علاقتنا الحميمية بها؟

صف لنا ملابسات الترشح لجائزة كتارا ؟

دأبت جائزة كتارا للرواية العربية منذ نسختها الأولى العام 2014، على توفير المعلومات الكافية بشفافية ووضوح لتصل إلى أي كاتب سواءً على مستوى موقعها الرسمي أو على مواقع التواصل الاجتماعي. ولعلَّ الذي يميزها أكثر هو موقعها المرن الذي يسمح بالمشاركة دون صعوبات تذكر بداية بملء الاستمارة ومن ثم إرسال الملف. وأي مشاركة من أي كاتب، يتبعها رد، من قبل إدارة كتارا على استلامها لملف الترشح. وهذه هي الخطوات التي سرتُ على منوالها مثلما سار العديد من المشاركين الذين لم يكن عددهم هينًا.

الجوانب الخفية
هلاّ حدثتنا عن روايتك “سِفْرُ أعمال المنسيين”؟
احتذاءً بسِفْرِ أعمال الرسل جاءت روايتي سفر أعمال المنسيين، محاولة أخرى لقراءة الحياة الاجتماعية للجزائر في فترة زمنية معينة. واخترت هذه المرة فترة الثورة التحريرية، وهذا باتباع سيرة مجموعة من المجاهدين في مدينة بالجنوب الجزائري (الجلفة). سياق هذه الرواية هو سياق تاريخي كعادتي في أغلب رواياتي ولكن الحادثة التاريخية ليست لها أهمية إذا ما قيست بالحالة الإنسانية، فالإنسان هو المعيار الأساسي لأي نص روائي، وهذا ما اشتغلت عليه في الرواية باحثًا دواخل هؤلاء الناس، ومضيئا تلك الجوانب الخفية في أنفسهم وهمومهم اليومية في مسيراتهم ومواجهاتهم العدو وخساراتهم الكبيرة والصغيرة، وحتى أفراحهم وحماقاتهم.
رواية سِفرُ أعمال المنسيين، التي فازت بجائزة كتارا للأعمال الروائية غير منشورة (المخطوط) ستصدر عن مؤسسة الجائزة في طبعتها الرابعة التي حُدد لها تاريخ 12 أكتوبر 2018 متزامنة مع الإعلان عن الفائزين بالجائزة في النسخة الرابعة. مثلما ستكون مرفوقة بترجمتين لها إلى الإنجليزية والفرنسية.
لسان المعتقلين
لماذا جعلت الحرب الأهلية الإسبانية ومعتقل عين الأسرار محورًا لروايتك “سييرا دي مويرتي” “جبل الموت”؟
بعض الروايات هي من تكتبنا وليس نحن من يكتبها، وهذا ما حدث مع هذه الرواية، إذ ما إن وقعت الوثائق بين يدي، وكلما مررت بما تبقى من أثر المعتقل في مدينة الجلفة إلا وأدركت أن هناك شيئا ما يدعوني للكتابة عنها. وكأنّ أصوات المعتقلين تنادي عليّ، وقد كان من بينهم شعراء ومفكرون وفنانون كروجي غارودي وماكس أوب. خمنتُ أن هؤلاء لم يقولوا كلمتهم الأخيرة وأرادوني أن أكمل عنهم السيرة التي عاشوها هنا بعيدا عن الوطن والأهل. وبهذه الطريقة وجدت نفسي منجرفًا إلى تحصيل ما تطاله يدي من وثائق أخرى وشهادات حول المعتقل بلسان المعتقلين.

كيف تمكنت من الإحاطة بتلك المرحلة التاريخية وتفاصيلها الدقيقة؟ وكم من الوقت استغرقته في البحث وكتابة الرواية؟
أمام كمٍ من الوثائق كان لزاما عليّ أن أضع مخططًا لاشتغالي، وتباينت لغات الوثائق بين الفرنسية والإسبانية ولغات أخرى مترجمة إلى الفرنسية كاليديشية.
ويمكن تمييز شقين في بحث موضوع هذه الرواية؛ الشق الأول ما تعلَّق بالحرب الأهلية الإسبانية. وهذا كان يسيرًا متوفر المراجع المكتوبة وحتى المرئية والمسموعة. والشقّ الثاني وهو الأكثر بحثا إذ تعلّق بالمعتقلات داخل المستعمرات وهو ما كانت المادة التاريخية عنه شحيحة، وإن وجدت فبعضها لم يطبع بعد. ولكنني توقفت عن البحث عندما اتضحت لي الصورة العامة للحادثة التاريخية، ولم تبق إلا مساحة التخييل.
وشرعت في عملية الترجمة والتحليل ومقارنة التوصيفات المكانية في الشهادات بالمكان الحقيقي، دام هذا حوالي ستة أشهر، وفي العادة مثل هذه العملية تكون مقرونة بعملية ذهنية أخرى تتعلّق بالبناء الشكلي للنص الروائي والبحث في الخيارات التي سينتهجها الكاتب في تشييد معماره الروائي.
ثم بدأت أكتب الرواية حين تيقنت أن شكلها لا يناسبه إلا أن يكون أشبه بشهادة يرويها أحد المعتقلين. ودام زمن الكتابة شهرين.

ماهي ملابسات فوز روايتك “سيّيرا دي موييرتي” بأفضل رواية في جائزة آسيا جبار؟
في نهاية سنة 2014 نالت الرواية جائزة الرابطة الولائية للفكر والإبداع بولاية الوادي تحت إشراف الأستاذ القدير بشير خلف، وقد أشرفت الرابطة على طبع الرواية.
وفي 2015 أُعلن عن تأسيس جائزة كبرى للرواية الجزائرية باللغات الثلاث: العربية والأمازيغية والفرنسية، فقررت أن أكون من بين المشاركين، ولعلّ أكثر شيء حرضني على المشاركة يومها الأسماء المرموقة التي شكّلت لجنة التحكيم آنذاك، نخبة من خيرة الكتاب والنقاد والمترجمين الجزائريين. وكان حظي أن أفوز بجائزة آسيا جبار في نسختها الأولى.
الأدب الصوفي
لماذا طغى على شخوص “مجاز السّرو” الإحساس بالوحدة القاتلة؟ ولماذا هيمن ضمير المتكلم على بقية الضمائر في المجموعة؟
في المجموعة القصصية مجاز السرو كنت أميل إلى المثاقفة والاشتغال على نصوص أخرى داخل نصوصها، أي إعادة تشكيل نص من خلال نص آخر، ككتابة سيرة للفنان فان غوغ انطلاقًا من إحساس داخلي وعلاقة شخصية مع بعض لوحاته، أو البحث عن رؤية أخرى لشخوص كافكا أو هيرمن هيسه. عدا قصة وحيدة حوتها المجموعة تنتمي إلى الأدب العرفاني الصوفي.
الشعور بالوحدة كان خيارًا لأغلب الشخوص لطبيعة الروايات التي تشاركها نصوص المجموعة همومها. فكل تلك الشخصيات المذكورة آنفا كانت حياتها مليئة بالوحدة القاتلة، بعضها انتحر وبعضها الآخر جُنَّ، والجنون والانتحار خياران تجليا كثيرًا في حياة الإنسان المعاصر.
جاءت أكثر القصص بضمير المتكلم لأنه من الأفضل للكاتب حين يُعبِّر عن مأساة إنسان ما أن يجعلها على لسانه، هكذا يخيّل للقارئ كأنه يسمعها مباشرة منه، دون أن يضطر أن يسمعها من وجهة نظر راوٍ مغاير. فالفن في الكتابة هو جعل الأداة في تناسب مع الحالة الإنسانية أو بالأحرى انسجام الشكل والمضمون.
أجيال متباينة
كيف تناولت الجنوب الجزائري في روايتك “سينما جاكوب”؟
لم تعنني كثيرا في رواية “سينما جاكوب” ثنائية شمال جنوب، بل كانت هناك أشياء أخرى أكثر عمقًا وهي تحولات مدينة تشبه الكثير من المدن الجزائرية بين زمنين مختلفين، الزمن الكولونيالي وزمن السيادة الوطنية، وهذه الإشكالية مازالت قائمة لحد الآن. ربما تناولتها العديد من الدراسات السوسيولوجية، غير أن فضاء الرواية مختلف لأنها تتيح للروائي أن يقول وجهات النظر المتعددة عبر شخوص عاشوا تلك المراحل، وهذا ما طمحت إليه من خلال ثلاث شخصيات من أجيال متباينة عاشت تلك المراحل. هناك أسئلة تُطرح عن مصير المدينة بمفهومها العام. وهل ضاعت المدينة مع رحيل الكولون؟! يبدو سؤالا هوياتياً مؤسفاً.
ولكنه لدى إحدى الشخصيات بات مصيرًا محتومًا.

كيف تلقيت فوزك بجائزة سعاد الصباح؟
أي جائزة للكاتب هي بداية مسيرة طويلة… وأي كاتب يبلغ بنيله لجائزة ما سيشعر بالفرح بقدر ما يشعر أيضا بثقل المسؤولية والتكريم، لأنه بقدر ما تمنحنا الجائزة الاعتراف بقدر ما توقعنا تحت مجهر النقد الأدبي والمعرفي، فأي خطوة قادمة سنضطر لأن نحسب كل تفاصيلها بعناية. لأن لا الناقد الأدبي ولا الناقد الإعلامي ولا القارئ سيغفر لنا خطيئة إن وجدت في النص الذي يلي النص المتوج. بالإضافة إلى أن جائزة مثل جائزة الصباح، تجعل المسؤولية ثقيلة، بثقل الجائزة، فليس هينًا أن ينال روائي جائزة الصباح وأن يقترن اسمه باسم شخصية ثقافية مرموقة مثلها، وقد نشأ جيلنا على حضورها الشعري والثقافي المميز خلال الثلاثين سنة الأخيرة، كمبدعة وداعمة للمشهد الثقافي العربي. كل تلك الأشياء تجعل أي كاتب يفخر بهذه الجائزة وبهذه الشخصية المغايرة في الزمن العربي.

المفر الوحيد
لماذا تسكن روح أبطال الرواية نوستالجيا الأحلام الماضية والأمكنة الأثيرة؟
من يفقد الألفة بالناس لن تبقى له حينها إلا ألفة الأمكنة، هكذا كانت الشخصيات في سينما جاكوب. السينما التي تؤسس لمفهوم المدينة وغيابها يعني أن تغيب سلوكات عديدة في المدينة الصغيرة التي يحوطها سور ويتوسطها شارع على جانبيه كنيسة وبيعة، وبينهما سينما تقابل مسجدًا. غاب ذلك كلّه ولم يبق إلا المسجد، بالتأكيد المسجد بالنسبة للشخصية ليس محلّ إدانة كونه بيتا للعبادة. ولكنها تتساءل فقط: حين كنا متعددين كنا متّفقين وحين أضحينا مع أنفسنا تفرقنا! الأمر يحتاج الى تفكير طويل ولكن عندما يُنهك الإنسان يصبح الحلم ملاذًا والنوستالجيا هي المفر الوحيد إلى أن يتوقف القلب عن النبض مثلما حدث لزيان موظف السينما الشاهد على الزمنين.

بين تلك الجوائز المهمة أي جائزة تعتز بها؟
لا أعتقد بالمفاضلة بين الجوائز، كل واحدة منها لها خصوصيتها وإضافتها النوعية. الأهم من هذا كله أنها تهدف جميعها إلى جعل الكتابة والقراءة والثقافة بصورة عامة رقمًا مهما في مستقبل هذه الأمة التي تفقد يومًا بعد يوم علاقتها بالكتاب. وكل جائزة تفتح للفائز أفقا رحبا سواء من خلال الترجمات إلى لغات أخرى أو من خلال تناول الإعلام النقدي للنص الفائز، ومن ثمة الانفتاح على مجالات مهمة كالدراسات الجامعية والمعاهد الدولية وربما اقتباسها لأعمال منو درامية.

قدرات روائية
ما تقييمك للمشهد الثقافي الجزائري الراهن؟
في الجزائر توجد قدرات روائية رهيبة غير أنها تظل مجهودات فردية لم تشكل بعد ظاهرة روائية، وبسبب معوقات النشر والتوزيع خارج الجزائر وحتى تضاؤل نشاط الإعلام الثقافي -عدا أسماء قليلة- حُرم الكثير من الكتاب من أن يجدوا لأنفسهم قارئا خارج حيزهم الجغرافي.

عوالم ُمربكة
وأخيرًا ماذا عن مشروعاتك التي في الأفق؟
هناك مخطوط جديد سينشر قريباً هو بمثابة انطلاقة جديدة نحو نوع من النصوص، أريدها أن تكون متميزة في المشهد الثقافي العربي، أثار تيمات مهمة وطرح حبكة مغايرة عن الحبكة في نصوصي السابقة، وهذا بشهادة بعض النقاد الذين اطلعوا على النص قبل نشره. كتبته بتأني وواجهت عوالمه المربكة وابتهجت لبعض رغباته وحزنت لبعض تأوهاته ولن أقول إن الرضا اكتمل عن هذا النص، لأن الكاتب مهما كان نصه لن يرضى عنه. ولكنني أعتقد أنها أفضل ما كتبت حتى الآن.

قد يعجبك ايضا
اترك رد