fbpx

“فتنة الداعية” رواية تغوص في أعماق المجتمع الخليجي

قراءة نقدية للروائي والناقد اليمني "الغربي عمران"

0

بقلم/ الغربي عمران

روائي وناقد يمني                                                                                 

320 صفحة .. توزعت على ستة فصول.. وكل فصل قُسم إلى عدة أجزاء.. هي رواية بعنوان “فتنة الداعية” للروائية الإماراتية فتحية النمر.. التي تجاوزت بهذا العمل أعمالها السابقة في عمق التناول للقضايا الاجتماعية.. والإتقان الفني.. لتصطحب المتلقي إلى عوالم مجتمع معاصر خالعا أردية الماضي من خلال صراع متنامي لشخصيات متباينة بين المثالية والشخصيات المركبة. لتعبر تلك الشخصيات عن هموم وأمال المجتمعات الخليجية ممثلة بالإماراتي وخاصة الشارقي.
فتحية النمر مبدعة متجددة واسعة الثقافة.. فمن يستمع الى مشاركاتها في مؤتمرات وندوات الأدب.. يدرك سعة اطلاعه وشمول وعيها بما يعتمل في مجتمعها من تغيرات.. إضافة إلى قدرتها على اختيار الزوايا التي ترصد من خلالها قضايا مجتمعها.. لتنسج حكايات شخصيات تتباين مستوياتها بين الهامشية.. والشخصيات ذات الصلة بالنخبة.
عناقيد حكائية
في فتنة الداعية تتداخل الأحداث وتتصالب العلاقات ما يؤدي “حتما” إلى تطور الصراع ما يقود إلى تعاظم التشويق.. وباعتماد الكاتبة لتقنية العناقيد الحكائية بنسج حكايات شخصياتها.. مكونة عقد من الحكايات ذات صلة ببعضها في سياق تفاعلي مشوق.. وفي الوقت نفسه يمكن أن تكون كل حكاية قائمة بذاتها.. وهنا يتمثل لنا ذلك الأسلوب أو التقنية التي اتبعتها الكاتبة بالعناقيد الحكائية.. مثل حكايات الأولاد: سعود صبا محمد … الخ بشكل متداخل ومتجانس.. يمكن أن تقوم كل حكاية لأن تكون رواية لما تتمتع به من عمق في الرؤية وإدراك لأبعاد تلك الشخصيات ودورها الفاعل في محيطها.
كما نسجت الكاتبة من خلال حكايات شخصياتها إيقاع الحياة لأسر مختلفة راسمة شخصية المجتمع الإماراتي المتنوع والمتجانس بين الشرق أسيوي والمصري والأسرة الإماراتية. لتتضح للمتلقي مقدار تنوع ذلك المجتمع والرقي الإنساني الذي يمتاز به بتقبل ألأخر والعيش في أنساق متجانسة. إلا أن أفق الخصوصية تتضح من خلال اللهجة الإماراتية في حوارات الشخصيات التي تزيد القارئ قربا من وعي المجتمع وأنماط حياته وفكره.
تتجلى قدرة الكاتبة على وصف المكان.. كذلك الشخصيات.. بأبعادها الداخلية والخارجية كشخصية: عزيز وفداء وصبا وسعود وشخصية محمد.. وإظهار ما يعتمل في أعماقها.. وخصائص إنسانية متنوعة. كما أعتمد على تعدد أصوات الرواة.. بين العليم.. وأصوات شخصيات العمل.. وتداخل تلك الأصوات.. إلى درجة تماها العليم بصوت سعود في ص 166.. وهكذا صوت فتنة يتحول إلى عليم.. ليتذبذب الصوت من عليم إلى صوت شخصية أخرى.. دون تمهيد.
رواية مدورة
كما استخدمت الكاتبة تعدد النقلات بين الأزمنة والأمكنة.. فالانتقال من موضوع إلى أخر يتم بسلاسة ودون تمهيد أو مقدمات.. كما في صفحة 244 التي تنتقل الكاتبة بالمتلقي اربع نقلات في الصفحة الواحدة. إضافة إلى بذر إشارات الحكي من صفحة إلى أخرى .
فنجدها في أولا صفحات الروية تبدأ بإسماعيل وسرد حكاية اهتمامه بمرض العمة.. ثم يغيب ذكر اسماعيل حتى صفحة 141 من هنا يتردد أسمه.. ومع قرب النهاية يتصدر اسماعيل من جديد الأحداث.. ليجد المتلقي نفسه راابط بين بدايات الرواية والصفحات التي تلي صفحة 141.. حتى الصفحة الأخيرة المتصلة أحداثها بأحداث البداية.. هنا يتجلى بأننا أمام رواية مدورة تتصل أحداث صفحتها الأخيرة بنهايتها.
وكما للأمكنة حيز من الوصف الجميل للشخصيات أيضا حيز واسع.. فكل شخصيات تمثل اتجاه وفكر خاص وطبيعة تختلف عن بقية الشخصيات.. فسعود المؤمن السمح الصبور العطوف.. ومحمد الشاذ المضطرب .. وصبا المتمردة.. وفتنة الزوجة الخائنة.. محمود رسام المتوحد.. وهكذ بقية الشخصيات تتابين في طبائعها ودراجات وعيها.. مثل: مرد ..العمة مريم.. زينب.. عبد العزيز.. نغم.. جين.. درويش.. خالد.. صلاح.. فداء.. اسماعيل…. ابو اسحاق… الخ شخصيات الرواية
ما يلفت تعاظم الصراع النفسي بين شخصيات الرواية.. وتباين طبائعها.. فأبو أسحاق المصري نجد هدفه من تلك العلاقات هي المصلحة ولا غيرها.. وجين الأسيوية التي تستطيع أن تستغل طيبة سعود وتأثره بحكاية معاناة اسرتها وبالذات ابنتها ليتعاطف معها متعهدا بتكفل حياة كريمة لها ثم ما يلبث ان يستقدم الابنة ليجمع الام بابنتها بأن تصل بتحقيق هدفها وتزويجها به.. ومحمود الفنان المضطرب الماجن يستقطب محمد الذي يستضيفه في مرسمه وهنا تدور الشكوك حول حياة متهتكة بينهما….. وصبا التواقة للحرية والتمرد تعيش علاقة من الطيش لتعتدل أمورها بعد أن تزوجت ممن أحبته… بكل تلك الشخصيات يتعرف المتلقي على المجتمع الإماراتي المتنوع بأعراقه والثقافات الوافدة.. كم يتعرف إلى سمحة تقبل الأخر في هذا المجتمع.
الرواية عقد من الأحداث المتلاحقة.. يمكن أن نصف ذلك بخيط الشك والإيمان.. ويمكن أن تشير تلك الأحداث .. ودور أبو إسحاق إلى ذلك الخطر القادم من خارج الدولة والمتمثل بالفكر المتزمت والمتطرف الوافد على مجتمع متعايش ومتسامح.. في الوقت الذي لعبت ابنة أبو إسحاق الداعية دور اللعوب الخائنة لشخصية مثالية تلقائية أستقطبها أبو إسحاق ليكونها كما يريد ويستغل سذاجتها بتزويجه ابنته التي لم تراعي شرف زوجها بل سعت لإغواء شقيقه مستغلة اضطراب شخصيته.. كما هي تلك الإشارة إلى “جين” الشرق أسيوية.. وهكذا استطاعت الكاتبة بفن ودراية نسج أحداث روايتها بما تحمله من رؤى بفنية عالية.

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد