fbpx

“جوكات” مغامرة روائية جديدة لـ”إنتصار عبدالمنعم” تتحدى الأشكال التقليدية للسرد

0

بين الخيال والتاريخ والواقع تكمن أحداث رواية “جوكات.. حكايا الدار الحمراء” للكاتبة المصرية “إنتصار عبدالمنعم”، والتي استغرقت خمس سنوات في كتابتها، قبل أن تخرج إلى النور لتصدر لاحقاً عن الهيئة العامة المصرية للكتاب في العام 2019.
بخفة ورشاقة ولغة عذبة تتنقل “إنتصار عبدالمنعم”، بين الماضي والحاضر والمستقبل، عبر صفحات روايتها الأحدث “جوكات”، متنقلة بين أسلوب الراوي العليم واستخدام ضمائر المتكلم والمخاطب في السرد، الذي طغى بشكل كبير على الحوار، في مغامرة أدبية جديدة تتحدى الأشكال التقليدية للسرد الروائي.
تقع الرواية في 195 صفحة من القطع المتوسط، قسّمتها الكاتبة إلى شطرين هما: “السفر الأول: لعنة التكوين”، والذي يضم تسعة فصول تتراوح بين الطول والقصر، هي: “في البدء كانت الصلاة!، وفي البدء كانت اللعنات أيضاً!، مبارك الآباء: اللصوص باسم الرب!، جوكات، مبارك الآتي باسم هيباتيا!، سور من قبله العذاب!، انتقام امرأة!، في البدء أيضًا كانت امرأة، سيف العطش”.
أما الشطر الثاني فقد عنونته باسم “السفر الثاني: لعنة الماء”، وهو يحتوي على ثمانية فصول كالآتي: “فلاش أول، فلاش ثانٍ، صباح الخير يا مصر، هل استيقظتِ؟، إنك لأنت يوسف!، يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا!، آن للغريب أن يعود!، بأية حالٍ عدت يا عيد؟!، حضن الصبار”.
ولا يعد إهداء الكاتبة لروايتها بمعزل عن أحداث الرواية، فقد اتخذت منها أيضاً عتبة لنصها؛ حيث تقول في الإهداء:
“إلى من تبقى من عائلة هالاكاه وشلومو بن لاوي، الباحثين عن نسب العائلة، دعوه مطمورا في الأصلاب، كما ظل ذهب الجدات مطمورا في الجرار..
وإلى القابعين في الماء، ضحايا سالم إكسبريس، والسلام 98، فلترقدوا في سلام عندكم، فلا سلام عندنا”.
تخلو رواية “جوكات.. حكايا الدار الحمراء” من وجود أبطال بالمعنى الإعتيادي في الروايات الكلاسيكية، فهي رواية مكان من الطراز الأول، فيها يكون المكان بطل الرواية الرئيس، بينما تلعب الشخصيات، التي تنتمي لعصورٍ وأزمنة مختلفة، أدوارًا ثانوية، لكنها تشترك جميعاً في كون مدينة “جوكات” الخيالية خيطاً يربطها، ومكاناً تتعلق به مصائرها أو حتى يشهد نهايتها.

وتحضر الأسطورة والمخيلة الشعبية وموروثاتها بقوةّ في الرواية، كما تظهر في عناوين بعض فصولها، ومواضع من السرد، وخاصة في الشطر الأول، تجليات الأديان السماوية الثلاثة، وبعض أسماء الأنبياء وأجزاء من سيرتهم، ومظاهر للحضارة الفرعونية القديمة، وللعصر البطلمي.
وتناقش الكاتبة برواية “جوكات”، في إطار يتراوح بين التاريخي والفانتازي والواقعي، موضوعات وقضايا إنسانية كبرى، أبرزها: تأثير الخوف على الشعوب، والتجارة بالأديان على مر العصور، وقتل الأبرياء أو استعبادهم باسم الإله تارة أو الحاكم تارة أخرى، والظلم، والفقر، والفساد، والطبقية، والحب، والحرب..
في الفصل الأول تستهل “إنتصار عبدالمنعم” الرواية بمقطع من فصل “دخول قاعة الصدق” من كتاب “الموتى”، وفي فصل “وفي البدء كانت اللعنات أيضاً” نجد ثلاثة مقاطع تشبه النبؤات، لتكون مفتتحاً للنص وتمهيداً لأحداثه، وقد استخدمت فيها الكاتبة ضمير المخاطب وزمن المستقبل، وعنونتها بـ”جوكات”، واختتمتها على طريقة الصلوات والدعوات بـ”آمين”.
وتبدأ الأحداث برحلة هروب بني إسرائيل من مصر، في زمن النبي “موسى”، خوفاً من بطش فرعون الذي أذاعهم صنوف العذاب والهوان بعدما حذّره الكهنة في نبؤة لهم من أن ذكراً سيلود لبني إسرائيل يفنى ملكه على يديه.
وتلتقط الكاتبة الخيط الذي تنسج منه أحداث روايتها، من قصة استعارة نساء اليهود، بأوامر من رجالهم، لذهب وفضة المصريات القدماء، ومن ثمّة سرقتها، لكن المؤلفة رسمت للشخصيات منحنى أخر للأحداث يختلف عن القصة التاريخية الدينية المتعلقة بشّق البحر وغرق فرعون؛ حيث نجد أن “شلومو بن لاوي الحكيم” كبير قومه العبرانيين قد دبّر مكيدة سرقة الذهب والفضة، والتخلّف عن اللحاق بالنبي “موسى” ومن آمنوا به، متسللاً تحت أستار الظلام وبصحبته أخوه “أليعازر”، وابن عمهما “هالاكاه وأولادهم وزوجاتهم بنات “سولومون بن أفرايم”، وهم يخفون الغنائم المسروقة، ويسافرون عبر الصحاري، حتى يحطون الرحال على أطراف “جوكات” الساحلية، المطلة على البحر المتوسط، ويبنون لأنفسهم بيوتاً من جريد النخل، يدفنون تحتها جرار الذهب والفضة، وشيدوا معبداً يهودياً أسموه “الدار الحمراء”.
وتأخذنا الرواية إلى عالم الصيادين، وأهل “جوكات” الفقراء البسطاء، الذين يقتاتون على بلح نخيلهم وما يجنوه من أسماك وخيرات البحر، وكيف عاش بينهم العبرانيين وأثروا في أسلوب حياتهم وطوروا لديهم الزراعة والطب وغيرها من الأمور، التي امتدت لتصل إلى تغيير ديانتهم بشكل سطحي من العقيدة الفرعونية إلى الديانة اليهودية، وكيف استغل أبناء “الدار الحمراء” خوف المصريين البسطاء من أن يلقوا مصير الغرق كفرعون وهامان وجنودهما، ليسلبوهم أراضيهم وممتلكاتهم الذهبية ثم يدفنوها هي الآخرى في باطن الأرض إلى جانب كنوز المصريات المسروقة.
وتنتقل الرواية إلى زمن الغزو الروماني لمصر، وجرائم الإبادة التي ارتكبوها باسم “الرب” والمسيحية، بحق الوثنيين واليهود في الإسكندرية، وكيف عذّبوا وأحرقوا الفيلسوفة “هيباتيا”، فأثاروا الرعب في النفوس، ورضخ أهل “جوكات” و”الدار الحمراء” لسيف “ثيوفيلس” وجنوده، فقاموا باخفاء عقيدتهم اليهودية، وإظهار المسيحية وتعليق الصليب ووضع تماثيل للسيدة العذراء، خوفاً من بطش الجنود.
وعلى مر عصور عاش أهالي “جوكات” و”الدار الحمراء” كالعبيد يعملون بالسخرة لصيد الأسماك وجني الكروم، ولا يجدون ما يسد رمقهم، بينما تذهب الخيرات إلى قصر الحاكم وحاشيته.
وفي عهد “المقوقس” تواجه “جوكات” مصير الغرق بمياه البحر، عقوبة من امرأته لأهلها على تجرأهم على طلب حصة كنيستهم من النبيذ الفاخر، فيغرق كثيرُ من أهلها وذهبهم المدفون، وتتحول أرضها إلى بور مالحة لتصلح للزراعة، وتتشكل بها بحيرة صغيرة، تغمر “الدار الحمراء” وكنوز الأجداد والجدات.
وحين يصل الجيش العربي إلى مصر، تواجه أهالي “جوكات” مصير الحصار والحرمان من الماء، حتى يرضخوا لسيف العطش وينزعوا صلبانهم وتماثيلهم، وينخرطوا في دين الإسلام، خوفاً من سيوف العرب.
ثم تعود الكاتبة إلى زمن البطالمة ومقتل “يوليوس قيصر”، الهائم في حب “كيلوباترا”، ثم قصة حبها هي و”أنطونيو” والتي انتهت بانتحار كليهما في صحراء “جوكات”.
ومن زمن البطالمة تنطلق “إنتصار عبدالمنعم”، إلى الزمن المعاصر؛ حيث حادثتي غرق العبارتين السلام 92 وسالم إكسبريس، متتبعة سيرة “إبراهيم” أحد الضحايا، الذي عاش فقيراً مهمشاً يعاني ظلم شقيقه الأكبر واستيلاءه على متجر جزارة الأب الراحل، ويعيش “إبراهيم” مع زوجته “زينب” وولديه “أيمن” و”يوسف” في “جوكات”، حياة بائسة، بينما شقيقه وولده يحيون في رغد.
وتتبع الرواية رحلة “إبراهيم” إلى السعودية ركضاً وراء لقمة عيش هنيئة لأسرته، لكنه يواجه مصير الغرق حبيساً داخل غرفة من غرف العبّارة، قبل أن يعود إلى الوطن، محملاً بالهدايا لزوجته وأولاده.
ويعاني “يوسف”- حفيد الجدة “رايا” العبرانية ابنة هالاكاه وحبيبها المصري “جميل” بن شيخ الصيادين – الأمرين لشعوره باليتم، ولبقاء جثمان والده في البحر، دون أن يكون له قبر يزوره في الأعياد، حتى أنه يكتب اسم والده على قطعة رخام غرسها على رأس قبر فارغ، لتكون شاهد القبر، ويغرس أمامها نبات الصبار.
وحين يكبر “يوسف” يتعلم الغوص تحت الماء، ثم يتوجه مع فوج من الأجانب للغوص عند العبّارة الغارقة، ثم يتسلل ويفجّر الباب، الذي بقيت الجثامين الغارقة حبيسة وراءه لسنواتٍ طويلة، ليقوم بتحريرها.
وفي مفارقة أليمة تختار “إنتصار عبدالمنعم”، لروايتها “جوكات”، نهاية حزينة؛ حيث يلفظ الابن أنفاسه الأخيرة فوق شاهد قبر والده الفارغ، بعد أن ترائى له شبح أبيه المتوفي، أثناء مطاردة الشرطة له بسبب التفجير، وقاده إلى هذا المكان، ليتلقى بعدها رصاصات ساخنة خلّفته في دماءه التي خضبت القبر ونبات الصبار، وهو يعانق شاهد أبيه، ويسدل الستار على الفصل الأخير من الرواية!.
يشار إلى أن “جوكات.. حكايا الدار الحمراء ” هي الرواية الرابعة للكاتبة “انتصار عبدالمنعم” بعد روايات: “لم تذكرهم نشرة الأخبار، جامعة المشير، كبرياء الموج”، بالإضافة لعدة أعمال تتنوع بين القصة وأدب الطفل والتراث.

آية ياسر
روائية وقاصة

قد يعجبك ايضا
اترك رد