fbpx

“محمد سمير ندا” يكتب: “أن تعشق الحياة”… الكتابة برسم القلب

قراءة في رواية "أن تعشق الحياة" للكاتبة اللبنانية "علويّة صبح"

0

بقلم/ محمد سمير ندا                                                           

روائي وكاتب مصري 

في مصر، نُطلق على رسم التخطيط الكهربائيّ الذي يوضّح ويحلّل دقّات القلب ومساراته اسم “رسم القلب”، لكن؛ أيًّا كان المسمّى الطبّي الأصوب لهذا الشريط البيانيّ الطويل الذي تصدره الآلات الطبيّة ليوثّق ما يحويه قلب المرء من صخب غير مسموع، وتحوّله إلى خطوط تعلو وتهبط في نسق متذبذب، فإنّ هذه الرواية التي انتهيت قراءتها مؤخرًا، تركت لديّ -منذ صفحاتها الأولى- انطباعًا أنّني أطالع طباعة واضحة لرسم قلب منهك، قلب أتعبه تناوب مفردات الفقد والقهر والدم على أوردته الرقيقة، قلب يمكنك أن تتوحّد مع رسوماته حتّى تتسلّل إلى مسامعك نبضاته المضطربة في كلّ أطوارها، قلب يرفض أن يتوقّف عن العشق؛ قلب علويّة صبح!
في روايتها الأخيرة، أن تعشق الحياة الصادرة عن دار الآداب، وفي ما هو أشبه بسيرة ذاتية، حقيقيّة أو متخيّلة، تُقدّم لنا الروائيّة اللبنانيّة القديرة علويّة صبح نصًّا إنسانيًّا مؤثّرًا، لا تملك إلّا أن تتوحّد مع راويته المنهكة التي تتلعثم في بعض الأوقات، فتسرد بعض الوقائع في نسق زمنيّ تصاعدي، ثم تعود وتسترجع ما فاتها أن ترويه في أزمنة طوتها الفصول الأولى. لا ينتقص هذا من إحكام هذه السرديّة بقدر ما يضفي عليها مصداقيّة مُضافة، تُجبر القارئ على التعاطف مع الحكاية وشخوصها، فيتحمّل تفاوت وتيرة السرد بين فصل وآخر، وتلعثم الراوية الصادق، وإعادتها لبعض المقاطع في بعض الآونة، وهو الأمر الذي سيدرك القارئ كلّما مضى بين الصفحات، أنّه يتّسق مع شخصيّة الراوية، ولا يعكس أي ضعف أو خلل سرديّ غير مقصود. يعبر القارئ المعابر بين فصل وآخر، زحفًا أو مشيًا أو ركضًا، دون أن يفتقد عناصر المتعة، حتّى يقرأ آخر الكلمات وقد وقر في يقينه أن علويّة صُبح، كانت تحدّثه هو على وجه الخصوص، وليس أيّ قارئ لآخر! هكذا أنهيت قراءة هذه الرواية الآسرة، بشجونها وصدق مشاعرها، وأنا أشعر أن علويّة صُبح عمدت إلى مراوغة القًرّاء، فاستبدلت اسمي باسم “حبيب اليوسفي” قُرب الخاتمة.
اسمها بسمة وهي ابتسامة، طاقة عشق وحياة لا تنضب، ولن تنضب. العشق هو وسيلة نجاتها الدائمة، طوق نجاتها الأبدي. انتصارها الأعظم هو استمرار قدرتها على الحكي بعد كلّ ما جابهته على الصعيدين الشخصيّ والمجتمعي. امرأة تختزل في حكاياتها كل مرويّات النساء وأوجاعهن ومآسيهن، ولعل القوسان اللذان يحتضنان كلمة نساء في ما بينهما يتسعان ليلصقا بها كلمة “الأوطان”.
فتاة لبنانيّة بسيطة، وأسرة عربيّة تقليديّة تشبه آلاف الأسر، قوامها أب مقهور كَسَرت الحروب ثورته الهادئة المسالمة على الثوابت، حتّى آثر الانسحاب تاركًا ندبة في ضمائر المقرّبين له، وأم عشّشت في أرجاء عقلها كل الوصايا والشرائع الذكورية. تظلّ الأم هي صاحبة الصوت الأعلى، والحُجّة الأضعف، هي الطائر الذي اختار أن يسكن القفص، ولا يكفّ عن حسد المحلّقين خارج قضبانه. الأب ينكمش تدريجيًّا حتى يتكوّر في الهوامش قُبيل مغادرته مسرح الراوية، والأم ولّادة البنات تحتفل بانتصارها وثبوت أنوثتها عقب إنجاب الصبيّ المنشود، لكنّ الأقدار كانت تحضّر لها إرثًا ثقيلًا من الندم، لن تقدر على حمله. أما بسمتنا، راوية حكايتنا، فهي صوت الأنثى التي تشبُّ عن طوق الأعراف، تحبُّ جسدها فلا تلعنه ولا تكرهه كما كان حال أمها وجدّاتها. تحلّق بسمة خارج القفص الذي لا باب له، وتتحسّس الحياة بقلبها، وجسدها، قبل عينيها.
تستخدم الكاتبة ضمير المتكلم في روايتها، تخاطب شخصًا لن نتعرف عليه إلا في النهاية، ولو اختممت الكاتبة الرواية دون تعريف بالمخاطَب المجهول، أظن أنّها كانت لتحقق قدرًا أكبر من المتعة لدى بعض القراء. نتعرف على عوالم بسمة وخلفيّتها الشخصيّة والاجتماعيّة، نعرف أن لها شقيقات وأخ واحد تؤثر ألا تراكمهم فوق منصتها السردية، نرسم بكلماتها ملامح الأم والأب، ونستمع إلى المناقشات والاعترافات والهمسات المكبوتة، ثم نشهد ثورة بسمة الأولى، ثورة تصحيح المسار للجسد، ومنحه حيزًا مأمولًا من الحرية. هذه الثورة تكتمل أركانها حين تتحوّر بسمة، الأنثى العربية المضطهدة بالوراثة، من طور دودة القزّ إلى طور الفراشة. تتعلم راويتنا الرقص التعبيري، لتصبح في ما بعد راقصة تخاطب العالم بجسدها وحركاتها، تتحدث كل خلية في جسدها بلغة لا تعرف كيف تبوح بمكنونها سوى من خلال الرقص.
تجربة العشق الأول تتماس مع تجربة فقد أخرى، كانت بسمة قد فقدت الأب، ثم فقدت الحبيب الأول: أحمد؛ الذي فتك به مرض عضال. قدّمت علويّة صبح من خلال شخصيّة أحمد صورة نادرة للرجل الشرقيّ العاشق الذي يوصي حبيبته أن تستكمل فصول عشقهما وحكايتهما مع حبيب آخر من بعده، إيمانًا منه أنّ العشق لا يفنى وأن غيّبت الأقدار المعشوق. تتلعثم خطوات الشابة التي فقدت حبيبها، ولكنها كانت محظوظة إذ منحتها الأقدار صديقتين مخلصتين، وأعني هنا شخصيتيّ أمينة وأنيسة.
أمينة وأنيسة تبدوان للوهلة الأولى على النقيض، فالأولى منهزمة كسيرة فوّتت محطّات الزواج كلّها، والثانية أساءت اختيار الزوج، ثم فوّتت بدورها فرصة العشق الحقيقي الذي سرعان من ومض قبل أن يخبو للأبد. الأولى تمرّر أوقاتها في خيالات الأحلام والسحر والرؤى، والثانية تُفرغ شحنة هزيمتها من خلال الكتابة. لا أعرف السيب تحديدًا، لكنّني شعرت أن بسمة وأنيسة وأمينة، رغم التناقض الظاهري بينهن، ما هنّ سوى انعكاسات متباينة لامرأة واحدة هي علويّة صبح نفسها. شخصيتيّ أمينة وأنيسة جاءتا شديدتيّ الثراء والإحكام، والحوارات التي تشاركتاها مع بسمة كانت مؤثرة ومحمّلة بشجون لا يمكن ألا أن نصدّقها لفرط صدقها.
ثم يأتي يوسف، الحبيب الثاني الذي تستكمل معه بسمة حكايتها المبتورة مع أحمد. ويوسف فنان حقيقي، مفكّر متحرّر، لديه رصيد مشابه من الإحباطات والهزائم والفقد، يعشق حبيبته فيمنح جسدها قداسة الأوطان. تتطوّر علاقة بسمة ويوسف حتى يتم زواجهما، وتمضي بهما الحياة في شعاب هادئة مستقرة، حتى تتآمر الأفكار السياسيّة على القلوب، فتبدّلها بعد أن تدنّسها. تتفارق المسارات، وتعصف الحروب والهزائم ببسمة حتّى تقع فريسة لمرض عصبي، ربّما هو مرض باركينسون.
برعت الكاتبة أيضًا في رسم شخصيات تبدو ثانوية، إلا أنّها كانت شديدة الحضور والتأثير، مثل عيسى ونزار صديقيّ يوسف، وجمانة ابنة شقيقة بسمة وصاحبة الحكاية المأساويّة المروّعة، وموسى عشيق أنيسة. وعلى الرغم من أنّ المجال لن يتسع للحديث عن كلّ شخصيّة كما ينبغي، إلا أنّني لا أقدر على تجاوز شخصية حية من لحم ودم، مثل نزار، وكل التحوّلات السياسية والعقائدية والأيدولوجية التي مرّ بها، حتى فقد إيمانه بالبشر، وقرّر الالتجاء إلى الطبيعة، ومن ثمّ متابعة الزلازل التي حتمًا ستبيد هذا العالم الكئيب عمّا قريب!
حكاية بسمة، ليست مجرّد حكاية أخرى عن اضطهاد النساء، ليست مجرّد قصّة تُروى لتستدرّ عطف القارئ، إنّما هي حكاية تبدو في ظاهرها عن امرأة تقرّر كسر القيد المجتمعيّ الذي ولدت مصفّدة به، لكنّ المروية تتسع لتستبدل بالمرأة كلّ أوطان العرب! فبسمة؛ التي ترقص كي تستمرّ الحياة، هي المضاد الحسّي للواقع العربي! هذه القدرة على التشبّث بالحياة ورفض الاستسلام ربّما هي العوامل التي أرادات الكاتبة أن تستنهض معانيها بكتابتها هذه، هذه الـ “بسمة” الغائبة عن واقعنا العربي هي ما نفتقده، هذه الطاقة/الرغبة في التحرّر والتغيير، ونفض إرث القهر عن أجسادنا التي أنهكتها صراعات الفصائل والعقول، هي ما نحتاجه اليوم.
أذابت الراوية الفوارق بين الطوائف والأحزاب السنيّة والشيعيّة والمسيحيّة، منحتهم جميًع وجهًا واحدًا وحنجرة واحدة لتوضح أنّ العقيدة ليست أساس المشكلة، إنّما الممارسات التي يمارسها رجال الدين هي ما تصنع الفرقة وتمزق الأوطان. خلف سطور حكاية بسمة، أو خلف طبقتها الظاهرة الأولى، تمرر الكاتبة أزمة المواطن العربي/الأوطان العربية بداية من الحروب الأهلية، وصولًا إلى ربيع عربي غابت عنه فراشات الحلم. أزمة الجسد شديدة التماس مع أزمة الوطن والحدود، وما بين القداسة (صلاة الجسد المستمرة على شفاه البطلة)، وما بين اللعن والتحريم والاستحواذ والاحتلال، تتّضح مسبّبات الأزمة وتنجلي معالمها.
قدمت علويّة صبح عدة نماذج نسائيّة وذكوريّة في هذا النص، لكنّ: يخطئ من يظنّ أنّها تقدّم نموذج المرأة المقهورة والرجل الشرقيّ المتسلّط في ذات الصورة النمطيّة السائدة في الأدب العربي، فعلى الضفة الأخرى من الحكاية، تظهر المرأة كمرادف للثورة، للحريّة، للمقاومة، جسدها خارطة للوطن. بينما نشاهد شبحًا لرجل مُشتّت، مقهور، مهزوم حائر مأزوم!
نهاية، حرصت في كتابتي هذه ألّا أميط اللثام عن تفاصيل النص كي لا أؤثّر بالسلب على متعة القراءة لمن لم يقرأ الراوية بعد، لكنّ بعض المشاهد والفصول في هذه الرواية يمكن تصنيفها كـ master scenes ممتعة ومؤثّرة للغاية: المشاهد الأخيرة بين الأب والأم قبل رحيله. تجربة علاج بسمة في موسكو، التي عرضت الكاتبة من خلالها أنماط النزلاء في المشفى، كأنّها تُدلّل على أنّ الوحدة العربية لم تتحقّق إلّا في عدالة توزيع أنصبة القهر بين العرب، بين شيوعيّ سوريّ وشيوعيّ عراقيّ وأحد أشقاء الرئيس اليمني. مشاهد وصف الألوان وترجمتها في المحاورات بين يوسف وبسمة كانت رائعة، كذلك كانت زيارة الجدات السبع لبسمة ثمّ بحثها عن حكاياتهن المنسية. محاورتها مع الله وسماعها لصوته وتصوّرها لردوده على أسئلتها. تجربة العلاج من المرض العصبيّ، وذكرها لطبيبها الراحل بول بجاني الذي أهدته علويّة صبح الرواية قبل وفاته منذ شهرين إثر إصابته بفيروس كورونا..
عمل مكتوب بإحساس صادق، استودعَتهُ الراوية مضغة من روحها، وقبسًا من حياتها بكل وآلامها وعشقها للحياة، هي كتابة بنبض القلب، دفقات من الأحاسيس والمشاعر المتباينة، تأسر القارئ حتّى تجبره على تجاوز بعض الملاحظات والهنّات التي ربما تستوقف النقاد الباحثين عن السلبيّات قبل المتعة.
صرخة مدويّة تطلقها “الست علويّة صُبح” في وجه الموت والحرب والمرض والألم، دعوة إلى الثورة، إلى استعادة الحياة، إلى تحرير الجسد والعقل حتّى تتحرّر الأرض. صلاة عشق تناجي القارئ ألّا يفقد الشغف، أن يتمسّك بأدبار الحلم الراحل، أن يغرس في أرض الخيبات مئات الأحلام البديلة، أن ينتزع من رحم الظلمة نورًا…وأن يعشق، فبالعشق فقط: تستمر الحياة.
قد يعجبك ايضا
اترك رد